صفي الرحمان مباركفوري
106
الرحيق المختوم
عوامل الصبر والثبات وهنا يقف الحليم حيران ، ويتساءل عقلاء الرجال فيما بينهم : ما هي الأسباب والعوامل التي بلغت بالمسلمين إلى هذه الغاية القصوى ، والحد المعجز من الثبات ؟ كيف صبروا على هذه الاضطهادات التي تقشعر لسماعها الجلود ، وترجف لها الأفئدة ؟ ونظرا إلى هذا الذي يتخالج القلوب ، نرى أن نشير إلى بعض هذه العوامل والأسباب إشارة عابرة بسيطة : 1 - [ الإيمان باللّه وحده ] إن السبب الرئيسي في ذلك أولا وبالذات هو الإيمان باللّه وحده ومعرفته حق المعرفة ، فالإيمان الجازم إذا خالطت بشاشته القلوب يزن الجبال ولا يطيش ، وإن صاحب هذا الإيمان المحكم وهذا اليقين الجازم يرى متاعب الدنيا مهما كثرت وكبرت وتفاقمت واشتدت - يراها في جنب إيمانه - طحالب عائمة فوق سيل جارف جاء ليكسر السدود المنيعة والقلاع الحصينة ، فلا يبالي بشيء من تلك المتاعب ، أمام ما يجده من حلاوة إيمانه وطراوة إذعانه وبشاشة يقينه فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفاءً ، وَأَمَّا ما يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ [ الرعد : 17 ] . ويتفرع من هذا السبب الوحيد أسباب أخرى تقوي هذا الثبات والمصابرة وهي : 2 - قيادة تهوي إليها الأفئدة ، فقد كان النبي صلى اللّه عليه وسلم - وهو القائد الأعلى للأمة الإسلامية بل وللبشرية جمعاء - يتمتع من جمال الخلق وكمال النفس ، ومكارم الأخلاق ، والشيم النبيلة والشمائل الكريمة ، بما تتجاذب إليه القلوب ، وتتفانى دونه النفوس ، وكانت أنصبته من الكمال الذي يعشق لم يرزق بمثلها بشر ، وكان على أعلى قمة من الشرف والنبل والخير والفضل ، وكان من العفة والأمانة والصدق ، ومن جميع سبل الخير على ما لم يتمار ولم يشك فيه أعداؤه فضلا عن محبيه ورفقائه ، لا تصدر منه كلمة إلا ويستيقنون صدقها . اجتمع ثلاثة نفر من قريش ، كان قد استمع كل واحد منهم إلى القرآن سرا عن صاحبيه ثم انكشف سرهم ، فسأل أحدهم أبا جهل - وكان من أولئك الثلاثة - ما رأيك فيما